ابن قيم الجوزية

329

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

أبعاضها بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة ، فكيف إذا عدمت روحها ولبّها ومقصودها ؟ وصارت بمنزلة العبد الميت . إذا لم يعتد بالعبد المقطوع اليد . يعتقه تقربا إلى اللّه تعالى في كفارة واجبة . فكيف يعتد بالعبد الميت . وقال بعض السلف : الصلاة كجارية تهدى إلى ملك من الملوك . فما الظن بمن يهدى إليه جارية شلّاء ، أو عوراء ، أو عمياء ، أو مقطوعة اليد والرجل ، أو مريضة ، أو دميمة ، أو قبيحة ، حتى يهدى إليه جارية ميتة بلا روح وجارية قبيحة . فكيف بالصلاة التي يهديها العبد ، ويتقرب بها إلى ربه تعالى ؟ واللّه طيب لا يقبل إلّا طيبا . وليس من العمل الطيب : صلاة لا روح فيها . كما أنه ليس من العتق الطيب عتق عبد لا روح فيه . قالوا : وتعطيل القلب عن عبودية الحضور والخشوع : تعطيل لملك الأعضاء عن عبوديته ، وعزل له عنها . فما تغني طاعة الرعية وعبوديتها ، وقد عزل ملكها وتعطل ؟ . قالوا : والأعضاء تابعة للقلب ، تصلح بصلاحه ، وتفسد بفساده . فإذا لم يكن قائما بعبوديته ، فالأعضاء أولى أن لا يعتدّ بعبوديتها ، وإذا فسدت عبوديته - بالغفلة والوسواس - فأنّى تصح عبودية رعيته وجنده ومادتهم منه ، وعن أمره يصدرون ، وبه يأتمرون ؟ . قالوا : وفي « الترمذي » وغيره ، مرفوعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لا يستجيب الدعاء من قلب غافل » وهذا إما خاص بدعاء العبادة ، وإما عام له ولدعاء المسألة ، وإما خاص بدعاء المسألة الذي هو أبعد . فهو تنبيه على أنه لا يقبل دعاء العبادة الذي هو خاص حقه من قلب غافل . قالوا : ولأن عبودية من غلبت عليه الغفلة ، والسهو في الغالب لا تكون مصاحبة للإخلاص . فإن الإخلاص قصد المعبود وحده بالتعبد . والغافل لا قصد له . فلا عبودية له . قالوا : وقد قال اللّه تعالى فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ( 5 ) [ الماعون : 4 ، 5 ] وليس السهو عنها تركها ، وإلا لم يكونوا مصلين ، وإنما هو السهو عن واجبها : إما عن الوقت ، كما قال ابن مسعود وغيره : وإما عن الحضور والخشوع . والصواب : أنه يعمّ النوعين . فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة . ووصفهم بالسهو عنها فهو السهو عن وقتها الواجب ، أو عن إخلاصها وحضورها الواجب . ولذلك وصفهم بالرياء . ولو كان السهو سهو ترك لما كان هناك رياء . قالوا : ولو قدرنا أنه السهو عن واجب فقط ، فهو تنبيه على التوعد بالويل على سهو الإخلاص والحضور بطريق الأولى لوجوه : أحدها : أن الوقت يسقط في حال العذر ، وينتقل إلى بدله . والإخلاص والحضور لا يسقط بحال ، ولا بدل له . الثاني : أن واجب الوقت يسقط لتكميل مصلحة الحضور ، فيجوز الجمع بين الصلاتين للشغل المانع من فعل إحداهما في وقتها بلا قلب ، ولا حضور ، كالمسافر ، والمريض ، وذي الشغل الذي يحتاج معه إلى الجمع ، كما نص عليه أحمد وغيره . فبالجملة : مصلحة الإخلاص والحضور ، وجمعية القلب على اللّه في الصلاة : أرجح في